مرتضى الزبيدي
58
تاج العروس
قلت : وهو كذلك . ونقل الأَزهريّ عن ابن الأَعرابيّ قال : يُقال : خَرَجَ رُوحُه ، والرُّوح مُذكَّر . وفي الرَّوْض للسُّهَيْليّ : إِنما أُنِّثَ لأَنّه في معنَى النَّفْس ، وهي لُغَة معروفَةٌ . يقال إِنّ ذا الرُّمّة أَمَرَ عند مَوْته أَن يُكْتَب على قبره : يا نازعَ الرُّوحِ من جِسْمي إِذا قُبِضَتْ * وفارجَ الكَرْبِ ، أَنْقِذْني منَ النَّار وكان ذلك مكتوباً على قَبْرِه ؛ قاله شيخُنَا . ومن المجاز في الحديث : " تَحَابُّوا بذِكْرِ اللهِ ورُوحِه " . أَراد ما يَحْيَا به الخلْقُ ويَهْتَدون ، فيكون حياة لهم ، وهو " القُرآن . و " قال الزَّجاج : جاءَ في التفسير أَن الرُّوح : " الوَحْيُ " ، ويُسمَّى القُرْآنُ رُوحاً . وقال ابن الأَعرابيّ : الرُّوحُ : القرآنُ ، والرَّوحُ : النَّفْسُ ( 1 ) . قال أَبو العبّاس : وقوله عزّ وجلّ : " يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهِ " ( 2 ) و " يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ " ( 3 ) قال أَبو العبّاس ( 4 ) : هذا كله معناه الوحْي سُمِّيَ رُوحاً لأَنّه حياةٌ من موتِ الكُفْرِ ، فصار بحياتِه ( 5 ) للناسِ كالرُّوح الّذي يَحْيَا به جَسَدُ الإِنسانِ . قال ابن الأَثير : وقد تكرّرَ ذِكْرُ الرُّوحِ في القرآن والحديث ، ووَرَدتْ فيه على مَعانٍ ، والغالِبُ منها أن المُراد بالرُّوح الّذي يقوم به الجسَدُ وتكون به الحياةُ ، وقد أُطْلِق على القُرْآن والوَحْيِ [ والرحمة ] ( 6 ) وعلى " جِبْرِيل " في قوله [ تعالى ] ( 6 ) : " الرُّوحُ الأَمِينُ " ( 7 ) وهو المراد ب " رُوح القُدُس " . وهكذا رواه الأَزهريّ عن ثعلب . الرُّوح : " عِيسى ، عليهما السلامُ . و " الرُّوحُ : " النَّفْخُ " سُمِّيَ رُوحاً لأَنه رِيحٌ يَخْرُجُ من الرُّوح . ومنه قولُ ذي الرُّمَّة في نارٍ اقْتَدَحها وأَمَرَ صاحبَه بالنَّفْخ فيها ، فقال : فقلتُ له ارْفَعْها إِليك وأَحْيِها * برُوحِك واجْعَلْه لها قِيتةً قَدْرَا ( 8 ) أَي أَحْيِهَا بنَفْخِك واجْعلْه لها ، أَي النَّفْخَ للنار . قيل : المراد بالوَحْي " أَمْر النُّبُوَّة " ، قاله الزجاج . وروى الأَزهريّ عن أَبي العباس أَحمد بن يحيَى أَنه قال قي قول الله تعالى : " وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا " ( 9 ) قال : هو ما نَزَلَ به جِبريلُ من الدّين ، فصار يَحْيَا به النَّاسُ ، أَي يعيش به النَّاسُ . قال : وكلُّ ما كان في القرآن " فَعَلْنا " فهو أَمْرُه بأَعْوَانِه ، أَمْر جبريل وميكائيلَ وملائكته ؛ وما كان " فَعلتُ " فهو ما تَفرَّد . جاءَ في التفسير أَن الرُّوح " حُكْم اللهِ تَعالَى وأَمْرُه " بأَعْوَانِه وملائِكتِه . وقوله تعالى : " يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والملاَئِكَةُ صَفَّاً " ( 10 ) قال الزَّجّاج : الرُّوح : خَلْقٌ كالإِنس وليس هو بالإِنس . قال ابن عباس : هو " مَلَك " في السماءِ السابعةِ " ( 11 ) وَجْهُه كوَجْه الإِنسان ، وجسَدُه كالملائِكَةِ " ، أَي على صُورتِهم . وقال أَبو العبّاس : الرُّوحُ : حفَظةٌ على الملائكة الحَفظةِ على بني آدمَ ، ويُرْوى أَن وُجوههم [ مثل ] ( 12 ) وجوه الإِنس ، لا تَرَاهم الملائكةُ ، كما أَنَّا لا نَرَى الحَفَظةَ ولا الملائكة . وقال ابن الأَعرابيّ : الرُّوح : الفَرَجُ والرُّوح : القرآن ، والرُّوحُ : الأَمْرُ ، والرُّوحُ : النَّفْس . والرَّوْح " بالفتح : الرّاحةُ " والسُّرورُ والفَرحُ . واستعاره عليٌّ رضي الله عنه لليقِين ، فقال : " فباشِروا رَوْح اليقِين " . قال ابن سيده : وعندي أَنه أَراد الفَرَح والسُّرُور اللَّذَيْنِ يَحْدُثَانِ من اليقين . وفي التَّهذيب عن الأَصمعيّ : الرَّوْح : الاسْتِرَاحةُ من غَمِّ القلْبِ . وقال أَبو عمرٍو : الرَّوْحُ : الفَرحُ ( 13 ) : قال شيخُنَا : قيل : أَصلُه النَّفْس ثم استُعِير للفرَح . قلت : وفيه تأَمُّلٌ . وفي تفسير قوله تعالى " فرَوْحٌ وريْحانٌ " ( 14 ) ، معناه فاسْتِرَاحةٌ . قال الزّجَاج : قد يكون
--> ( 1 ) في التهذيب واللسان عن ابن الأعرابي قال : الروح الفرح ، والروح القرآن والروح الأمر والروح النفس . ( 2 ) سورة غافر الآية 15 . ( 3 ) سورة النحل الآية 2 . ( 4 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله قال أبو العباس كذا في اللسان أيضا بتكرير قال أبو العباس " ولم ترد في التهذيب . ( 5 ) بهامش المطبوعة المصرية : قوله " بحياته " الظاهر : " يا حيائه " واللسان فكالأصل ، وفي التهذيب : فصار يحيا به الناس . ( 6 ) زيادة عن النهاية . ( 7 ) سورة الشعراء الآية 193 . ( 8 ) الهاء في واجعله لروح لأنه مذكر في قوله . والهاء في لها : للنار ، لأنها مؤنثة . ( 9 ) سورة الشورى الآية 52 . ( 10 ) سورة النبأ الآية 38 . ( 11 ) الأصل والتهذيب واللسان وفي التكملة : الرابعة . ( 12 ) زيادة عن اللسان . ونبه إلى ذلك بهامش المطبوعة المصرية . ( 13 ) الأصل واللسان ، وفي التهذيب : الفرج بالجيم . ( 14 ) سورة الواقعة الآية 89 .